اسماعيل بن محمد القونوي

108

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فتكرمني والمقصود إثباته ) إذ لو نصب الخ تعليل لتعيين الرفع على تقرير كون الاستفهام للتقرير وحاصله أنه لو نصب لأفاد خلاف المقصود وهو نفي الاخضرار والمقصود إثباته عقيب الإنزال قال أبو حبان إنما امتنع النصب جوابا للاستفهام هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريرا في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى إلى قوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب فإذا قلت ما تأتينا فتحدثنا بالنصب فالمعنى ما تأتينا محدثا إنما تأتي ولا تحدث ويجوز أن يكون المعنى أنت لا تأتي فكيف تحدث فالحديث منتف في الحالين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزة الاستفهام وينتفي الجواب فيلزم من هذا الذي قررناه إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المقصود وهذا بناء على أنه إذا اجتمع في الكلام الاستفهام والنفي فالجواب للاستفهام لتقدمه دون النفي نظيره إذا اجتمع فيه القسم والشرط يكون الجواب للقسم لتقدمه ويؤيد ما ذكرنا قول أبي البقاء إنما رفع الفعل هنا وإن وقال الطيبي رحمه اللّه فيه نظر لأن نفي الشكر مستفاد من كونه جوابا للاستفهام لأن معنى قولك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر إن رأيت إنعامي شكرته قال صاحب الكشاف لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه ثبات الاخضرار فنقلت بالنصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر إن نصبته فأنت ناف أشكره شاك تفريطه فيه وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله إلى هنا كلامه وقال صاحب الفرائد لا وجه لما ذكره صاحب الكشاف أما أولا فلأنه لا يلزم المعنى الذي ذكره بل يلزم من نصبه أن يكون مشاركا لقوله : أَ لَمْ تَرَ [ الحج : 63 ] تابعا له ولم يكن تابعا لأنزل ويكون مع ناصبه مصدرا معطوفا على المصدر الذي تضمنه أَ لَمْ تَرَ [ الحج : 63 ] وهو الرؤية والتقدير ألم تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرة وهذا غير مراد من الآية بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء فيكون حصول اخضرار الأرض تابعا للإنزال فلا يكون له جواب وأما ثانيا فلأن ما بعد الفاء ينتصب إذا كان المستفهم عنه سببا له ورؤيته لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض وإنما يوجبه إنزال الماء من السماء وروى الزجاج عن سيبويه القراءة بالرفع لا غير قال سألت الخليل عن هذا فقال هذا واجب ومعناه التنبيه كأنه قال ألم تسمع إنزال الماء من السماء فكان كذا وكذا قلت فعلى هذا يمكن توجيه النصب بأن يقال إن إيثار المستقبل في فتصبح لاستحضار تلك الحالة البديعة وهي حياة الأرض الدالة على القدرة الباهرة قال اللّه تعالى : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ [ الحج : 5 ] وقال تعالى : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ ق : 7 ، 8 ] كأنه قال تنبيه لإنزالنا الماء لتعجب منه على هذه الحالة البديعة والقدرة الباهرة فيكون لك تبصرة وذكرى للإنابة والخضوع وإن اللّه يبعث من في القبور ومن ثمة ذيل بقوله : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الحج : 62 ، 63 ] وجيء بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ الحج : 64 ] تتميما لإرادة الإنابة فيكون قوله فتصبح بمعنى تتعجب من إصباحها مخضرة .